![]() |
حاورها : عبد الحق بن رحمون
بعد صدور أول مجموعة قصصية: "نعناع. شمع. وموت" للقاصة المغربية مني وافق (25 عاما) عن دار شرقيات بالقاهرة، صحيفة (الزمان) تستضيفها في هذا الحوار الصريح والجريء، لتتحدث لنا عن رؤيتها وتصورها للكتابة الإبداعية، مؤكدة في جوابها بأنها ليست شهرزاد المغربية، وإنما هي خالقة لعالم مفترض..عالم ورقي، ومصرحة في ذات الوقت بأن عنوان مجموعتها القصصية يجسد بكل بساطة الغلاف الجوي للوجود . والكتابة عند القاصة مني وفيق تحتمل عدة قراءات ورؤي، إذ أنها تراهن علي العمق النابع من الإحساس اليقظ تجاه عوالم متخيلة وواقعية، خلفيتها التصور العام للأشياء التي نحياها في تؤدة وتأمل، كانعكاس لما وراء الظل والصورة الأصل، وقد صدق من قال عنها بأن قصص مني وفيق مختبئة وراء قميص الجسد .
ومني وفيق تنتمي إلي جيل جديد للقصة القصيرة بالمغرب، الذي له رؤية مختلفة، يسعي من خلالها لتجاوز كل الأشكال السابقة، وهي إلي جانب كونها قاصة فهي تشتغل في الصحافة، إذ هي عضو بأمانة الاتحاد الدولي للصحافة الالكترونية، وقد سبق لها أن حازت علي عدة جوائز من بينها الجائزة الثانية لمسابقة صلاح هلال للقصة في مصر والعالم العربي عام 2005.
وفي ما يلي نص الحوار:
مجموعتك القصصية " نعناع.شمع.وموت"، يبدو هذا العنوان غريبا نوعا ما، هل في نظرك أن من شأن هذا أن يثير شهية القارئ؟
ــ احترت شيئا مّا في اختيار عنوان مُرضٍ ومناسب للمجموعة القصصية، وكنت أفكر في اعتماد أحد عناوين النصوص من قبيل " عرس الذئاب، نعناع وشمع ملون، صاحب الظل الطويل، الرجل الرمانة، فرحا بالموت..." إلي أن اقترح علي الكاتب المغربي الصديق عبد العزيز الراشدي عنوانا مركبا وهو "نعناع، شمع وموت" فأعجبني فعلا ووجدت أنه غير نمطي كما أنه يوحي كثيرا بالملامح العامة للمجموعة وكان ما اقترحه عليّ .
أما عن القاسم المشترك الذي أراه بين النعناع والشمع والموت فهو وبكل بساطة: الغلاف الجوي للوجود!
أصدرت هذه المجموعة القصصية خارج المغرب، هل معني هذا أن هناك أزمة في النشر بالمغرب؟
ــ من قال أنني لن أفعل..دعها مفاجأة ولو إلي حين!
من أين جئت للقصة، وهل تعتقدين أنك شهرزاد المغربية؟
ــ السّرد القصصيّ هو أصعب الأجناس الأدبيّة فأنت تسعي لقول الكثير من خلال القليل..القصّة هي تلك الفنّ المراوغ شديد التّركيب والجمال.. إنّها ظاهرة إنسانيّة تلبّي حاجات نفسيّة واجتماعيّة، بل هي تجسّد نظرة ذاتيّة وموقفا من الحياة!! صدق "موباسان" حين قال أنّ هناك لحظات عابرة منفصلة في الحياة لا تصلح لها إلاّ القصّة القصيرة فهي تصوّر حدثا معيّنا في الحياة لا يهتمّ الكاتب بما قبله ولا بعده!
القصة القصيرة هي بالنسبة لي كلعبة بازل (Puzzle) وجودية ، المبهر أنّها تعاملك بذات الذكاء الذي تظنّ أنكّ تكتبها به..هي لعبة بازل لا نهاية لها، ولست تدري من الذي لم يكمل تركيب الآخر ومنحه اكتمالا نهائيّا ـ أنت أم هي؟!
كانت شهرزاد من وراء السرد تؤجل موتها ثم كانت تمارس وظيفتها كأنثي، مهمتها أن تمتع الرجل، لم تسرد لتستمتع هي؛ لا أعتقد اليوم أن المبدعات العربيات يفعلن هذا، ومن ثمة فالكاتبة العربية ما عادت حفيدة لشهرزاد ولست شهرزاد المغربية، إنما أنا خالقة لعالم مفترض..عالم ورقي، أشعر فيه بذاتيتي ونرجستي، لكن ربما المبدع لا يخلق من العدم بقدر ما يعيد تشكيل الأشياء كما يشتهيها ربما أو كما يعتقد أنها يجب أن تكون وذلك لأن المبدع هو حالة احتجاجية علي ما هو قائم في الواقع.
û نصوصك القصصية عند قراءتها نري بأنها تغطس في مياه الحلم واللغة الشعرية، هل ذلك مصادفة أم عن سبق إصرار وترصد؟
ــ أحب أن أكتب فيما هو غير مستهلك إنسانيا، مايشغلني هو أن أطرد القلق الوجودي الذي يمارس سطوته علي ذاتي قبل أن أهمّ بالكتابة.
أكتب ما أحسه وأحاول ما استطعت أن أوصل شيئا من إحساسي وفكرتي التي أرسمها بأصابعي في الهواء! أكتب ما أحسه فقط!

الكاتب (ة) الشاب (ة) المغربي، هل باستطاعته أن ينفرد بتجربته ويصبح صوته مسموعا وسط هذا العدد الكبير من كتاب القصة الذين انضموا بمنتديات وجمعيات ومحترفات للقصة القصيرة؟
ــ القصّة القصيرة في المغرب تعيش مخاضا ملحوظا طال جوانب عدّة من كينونتها.. هي جنس يستقطب الكثير من الأقلام في المشهد الإبداعي بالمغرب الرّاهن. لا يتجلّي هذا فقط في كثرة الأسماء والمجاميع القصصيّة، لكن أيضا النّصوص التي تنشر في الملاحق الثقافية للصّحف وفي الشّبكة العنكبوتيّة. ويمكن توقّع تكاثر متزايد في هذا الجنس الأدبي بالمقارنة مع الأجناس الأخري. بالنّظر إلي التحوّل العميق الذي تشهده القيم الاجتماعيّة وإيقاع الحياة والتّعامل مع الزّمن المنطلق في بضع السّنين الأخيرة. ما يميز السّاحة القصصيّة المغربيّة حاليّا من وجهة نظري هو تعدّد الّرؤي والإتّجاهات ومختلف أشكال التّعبير الّتي تعرفها القصّة، أيضا ظهور جيل جديد بارز يحمل رؤية مختلفة يسعي من خلالها لتجاوز كل الأشكال السّابقة. أضيف أنّه لا مجال عند الأقلام المغربيّة الشابّة لقداسة اللّغة وبذخها. لكنّ المجال الذي يكبر ويتّسع فهو لكشف المختلف والمثير والمدهش في الوسط المغربي، الشّيء الذي يظهر جليّا من خلال المعايير اللّغوية والفكريّة والخيال أيضا.
ببساطة أقول أن النص القوي والحقيقي يخلق لصاحبه تفردا وخصوصية ووجودا مستمرا.
û أصبح الكثير يتساهل في كتابة نص قصصي، أو إن صح القول الكتابة من غير توفر موضوع، حيث أصبحنا نري البعض يدافع علي كتابة نص قصصي بالعامية المغربية؟
ــ الزمن والقارئ كفيلان يما يكفي لغربلة النصوص. ما يمكنني قوله في هذا الصدد هو وجود حركية إنتاج بمعني تيارات جديدة تنتظر التاريخ ليحدد قيمتها!
عندما يقع كتاب بين يدي ناقد معين، أول ما يبحث فيه هو التنقيب عن توظيف لغة الجسد
ــ على هذا الناقد أن يعرف جيدا أن الكاتبة حين تكتب فهي تنطلق من كينونتها بمجملها حيث يتداخل الوعي والشعور والرغبة والخيال..كل ما تفكر أو ترغب فيه..رغبات الجسد تكون مفردة من هذا الكيان الإنساني. إنها حين تكتب تصطدم دائما مع بنية المحيط التي تقمع ليس الحقوق الحسية وحسب بل كل شيء! هناك ليس فقط ما هو محرم بل أيضا ما هو ممنوع وغير مقبول وغير جائز. تكتب في كل الأحوال ما تعتقد أنه الصواب!
في حين علي الكاتبة التي توظف لغة الجسد تجاوز الهم الأنثوي إلي الهم الإنساني وهذا ما يشغلني خصوصا. أحب أن أكتب فيما هو غير مستهلك إنسانيا.
û في رأيك لمّا تكتبين، هل تضعين نصب عينيك الرقيب والخجل والخوف من أن يتم مقارنة نصك الأدبي بحياتك الشخصية خصوصا إذا كان هناك احتفاء بالجسد والحياة بكل غنجها؟
ــ ربما المكبوت الذي قد أتحدث عنه، أو أريد التحدث عنه ليس مكبوتا جسديا.. الكتابة الحقة تكافح في المجتمع العربي نظاما قمعيا وهذا ما يفعله الكاتب، سواء كان رجلا أم أنثي، ولا يجد من يبحث عن رغبته حين تكون امرأة تواجهه بقارئ ذكوري.. أنا أواجه المسكوت عنه من نفاق مجتمعي ومجاملات واستعلاء الكتابة منازلة للرتوشات وبحث عن الأصيل الحقيقي والصادق..علي الأقل بالنسبة لي! أن تنطلق من كون القصة صفحة من حياة كاتبتها فهذا يتناقض أساسا مع كون النص كائنا بحدّ ذاته. ليست الشخصية المروية هي شخصية الساردة بالضرورة.. المرأة عالم متعدّد ومعقد تنتابها في لحظة ما حالة مجنونه لا تعني بذلك أن تكون مجنونة حين تشعر في لحظة أنها ترغب في قهر ذاتها.. هذا لا يعني أنها مازوشية ولا يعني أنّها تقابل سادية الرجل بنقيضها!
û الكتاب الشباب بالمغرب أكثرهم مهاجرون عبر الشبكة العنكبوتية، قلما نلتقي بهم في الملاحق الثقافية المغربية، لماذا هذا الاختيار؟
ــ النشر يعني لي ببساطة الانتشار وهذا يهمني جدا، أن تكون مقروءا وأن تصل إلي العالم كله سواء بالنشر الورقي أم الإلكتروني هو ما أنشده تحديدا. النشر الإلكتروني يجعل لك قراء محتملين من كل الأرض والنشر الورقي لا يزال يحتفظ بحميميته وخصوصيته ويساعدك علي توثيق أعمالك فلا تكون فريسة للسرقات الأدبية علي النت!
بنظري الشخصي النشر إنصاف للعمل الأدبي علي نحو ما، لذا أنا أختار منابر محترمة لأنشر بها سواء ورقيا أم إلكترونيا. وعلي سبيل الذكر لا الحصر أقول أنني نشرت في كل من مجلة الهلال المصرية، أخبار الأدب المصرية، مجلّة الصّدي، مجلة العربي الكويتية، جريدة القدس العربي،جريدة الراية القطرية، جريدة الزمان اللندنية، جريدة الجزيرة " السّعوديّة "، جريدة اليوم السعودية، جريدة الحياة الجديدة " الفلسطينيّة"، جريدة الأيّام"اليمنيّة"، جريدة الفجر الأدبي الجزائرية، جريدة الصحافة التونسية وكذلك بأهم المواقع الأدبيّة علي الإنترنت كـ: إيلاف وصحيفة الحقائق اللندنية وموقع الفوانيس ودروب والكثير غيرها من المواقع الجادة... أغلب الكتاب المغاربة الشباب فإنهم يلجأون للنشر بالمنابر العربية، لأن منابرنا تفضل النشر لأسماء معروفة هي أصلا صنعتها، لعلها تتكرر في إبداعها ولا تقدم جديدا، وبالمقابل تهمش شبابا مبدعا قادرا علي العطاء بغزارة. وفي اعتقادي الشخصي أن الإبداع يحتاج إلي مشهد صحفي يوازيه ويواكبه، وهذا ما نفتقده.
"الإنترنت"، قدّمَ مساحة كبيرةً للمبدع العربي، الذي عادةً ما كانَ عليه أن يمرّ بمراحلٍ يلعبُ الكبار معهُ دور الأساتذة القادمين من مدينة أفلاطونْ، والذّات المُبدعة لا تحتمل هذه الترّهات، وغير ذلكَ الكثيرْ. الإنترنت، عالم مفتوح كلٌّ يُقدمُ إنتاجهُ والقارئُ قادرٌ علي الفصل بين المُبدع الموهوب، والآخر المُصطنعْ، وكذلكَ هناكَ فرصة أنتجها هذا العالم، ألا وهي الحديث المُباشر مع آخرين من أماكن عدّة من الأرض، وبهذا تتمكّن من التّواصل الإنسانيّ، ويكونُ بذرة التّواصل، تبادلاً ثقافيّاً ومعرفياّ، ومشاركة في هموم الإنسان أينما كانْ . النشر الإلكتروني يدعمُ النصَّ الإبداعيّّ ويعزّز حضورهُ من خلال قُرّاء مُحتملين من كلّ مدن الأرض إلا أنّه لا يخلو من سلبياتْ، تتمثّلُ في مَنْ تسوّل لهم أنفسهم في سرقةِ إبداع الآخرين ونسبه إليهم. شيء آخر، الّذين نشروا ورقيّا ينشرون الآن إلكترونيّا وبكثافة!! وهذا دليل علي محدوديّة النّشر الورقيّ، فمن نشر ورقيّا أدرك أنّ الجمهور علي "النت" قد يكون أوسع وأنّه يصل لكلّ الدّنيا بخلاف النّشر الورقيّ المحليّ والنّسخ المحدودة!
û أخبرني بعض أصدقائك بأنه بالرغم من ملامحك الوديعة فإنك إنسانة ثورية، حيث من حين لآخر تقومين بمناورات ومحاولة انقلابية علي الشبكة العنكبوتية من أجل تأسيس قصة قصيرة بمقاسك؟
ــ من هم هؤلاء الأصدقاء؟ لأن الكثيرين يدّعون صداقتي وأريد أن أعرف، أيضا لا تحكم علي شخصيتي من خلال أحد خصوصا أنني مزاجية لأقصي حد وأعيش اللحظة بلحظتها، ومن يراني وديعة الآن، فبعد أقل من ثانية يراني بشكل مغاير...!
تأسيس قصة قصيرة بمقاسي؟
طبعا علي مقاسي، فالذي يكتب علي مقاسات الآخرين مقلّد وتائه عن أناه. أنا أطمح لخلق بصمة خاصة بي، أعرف ما أريده جيدا وأؤمن أنني سأصل حيثما خطّطت .هذا لا يحتاج لمناورات أو انقلابات، بل يحتاج عملا وجدية واشتغالا متواصلا وهذا خطي الذي لن أحيد عنه.
û انتشار صيحات الموضة في العالم التي تفرضها العولمة سواء أردنا أم كرهنا، إلي درجة أنه أصبحت تطالعنا من حين لآخر نصوص أدبية تشبه سروال هيفاء وهبي وتنورة روبي ودشداشة نانسي عجرم...؟
ــ أنا مع التجديد بمعني الاختلاف، بمعني أدق ألا أكون إلاي. وسروال هيفاء وهبي وتنورة روبي أمور واقعية، أي أنها هنا شئنا أم أبينا، لكن الأدب لا ينزل إلي الحضيض، إنه يتبني التغيير والتقدم من دون ميوعة!
هذه النصوص التي تتحدث عنها هنا لا أقرأها ولا أعلق عليها، لأنني بهذا أرسّخ وجودها. أنا ابنة جيلي الطموح المغامر لكنني أديبة وأعي تماما ماهية هذه الكلمة وأقدسها أيضا.
û كثيرا ما نتهم مجتمعنا المغربي بأنه غير قارئ؟
ــ هل هو مجتمع لا يقرأ أم أنه مجتمع مرهق أم أنه كلاهما معا؟!
هل هي أزمة قراءة أم أزمة تسويق للكتب عبر مختلف الوسائل الإعلامية؟!
من يقرأ ومن يقتني الكتب في المغرب؟ أليست الفئة النخبوية المثقفة والمهتمة؟!
عموما في المغرب هناك اهتمام بالقراءة والكتابة أكثر من أي وقت مضي وهذا يدعو للتفاؤل خيرا.
û ماذا تعني لك الكتابة؟
ــ الكتابة بالنسبة لي هي مسألة وجودية.. أكتب لأحيا داخل ما أكتبه وليحيا الآخرون داخلي.. أنا أكتب معناة أنني أقترب أكثر وأكثر من مني وأفيق من دون أن أصل إليها.. أكتب لكي أرفع السماء عاليا، عاليا ولا تسقط في شهقة مني.. أكتب وسأكتب مادمت أن ما أكتبه يلمس حياة الناس وهمومهم وآلامهم وأحلامهم وتطلعاتهم.. الكتابة عندي عملية أخرج بها من احتضاري.. أي عشق يربطني بالعالم والأشياء، ووحدها الكتابة قادرة علي تجسيده!!











