
تظل المدونات أو «البلوغ» التي ينجزها الأفراد كمواقع قائمة بذاتها، مجالا مفتوحا للتعبير بحرية وبدون قيود عن أفكار وميولات،حيث تفتح العديد من المواقع المعروفة في الشبكة نافذة مجانية للراغبين فيإنشائها، غير أن هذه المواقع لاتخلو من تجاوزات. وفي حالة سمير وأصدقائهالذين قاموا بانشاء مدونة شخصية ضمت عددا من الصور للتلميذات بمؤسستهم التعليمية، فإن مزحة بسيطة ستتحول إلى قضية ستعصف بمستقبلهم الدراسي.. وبصورة ضحاياهم..انزوى سمير مصمم الموقع المشبوه في مكان قريب من المؤسسةالتعليمية، يتابع شلة من زملاء فصله الدراسي، الذين تحلقوا حول تلميذةكانت تصرخ في وجه أحدهم بارتباك وانفعال شديد «شوهوني تصاوري كلهم خرجوهم لعيباد الله..».. استمر صراخها لفترة محددة قبل أن تنسحب وقد تملكتها حالةمن البكاء، في اتجاه الإدارة التي عمدت كإجراء أولي إلى اتخاذ قرارتوقيفها رفقة مجموعة من التلميذات عن الدراسة إلى حين البت في قضية الموقعالذي لطخ «سمعة» المؤسسة، وأربك السير الطبيعي للعملية التربوية بها، وزرعبذور الشك وانعدام الثقة بين الأولياء وفلذات أكبادهم، وهيئة التدريس بعدانتشار فضيحة الصور والتعليقات النابية التي تضمنها الموقع، خاصة أنالمؤسسة كان يضرب بها المثل لسمعتها ومستوى التدريس بها. «بلوغ» مجانيلا أحد من زملائه كان يعتقد في لحظة ما أن عرض صور تلميذات من نفس الفصلالدراسي، سيتخذ هذا المنحى الفضائحي والانتشار الواسع وسيتم تأويله تربوي اوأمنيا ليس فقط وسط المؤسسة بل في المدينة بكاملها.. «هل شاهدت موقعالتلميذات في أوضاع ساخنة على الأنترنيت» عبارة ظلت تتردد لأيام وسط العائلات وفي الأوساط التعليمية، قبل أن تتدخل الجهات الأمنية لتدميره،وفتح تحقيق مع مصمميه. فقد كشف المنحى الذي اتخدته الأمور فيما بعد، درجةخطورة استغلال هذه التقنية في بث معلومات وصور قد تلحق أذى بالآخرين الذينيجهلون عن علم أو بدونه هذا الوسيلة الجديدة في بث هذه الصور، خاصة أنطابع المؤسسة الذي تغلب عليه الصرامة والجدية، وتقدير الآخرين، والصورةالإيجابية للمسار الإيجابي للتلاميذ، كان تأثير تأثير سلبي في تقبل تورطعينة منهم. سيدفع هذا التطور بعدد من أفراد الشلة المتورطة وهم يتابعون التبعات والضجة التي أحدثتها «البلوغ» إلى التزام الحيطة والحذر، واستشعار ما قدتحمله الأيام القادمة بعد افتضاح وذيوع خبر المدونة المشبوهة التي تتضمن صورا على شبكة، وهو ماجعل في البداية صاحب نادي الأنترنيت الذي لايبعدكثيراعن الثانوية، إلى الاستغراب للاقبال الكبير على ناديه خلافا للأوقات العادية وعلى حواسيبه القليلة دفعة واحدة، فقد كانت صفوف من التلاميذ تقففي طابور طويل أمام النادي، تدفهم رغبة شديدة في مشاهدة الموقع العجيب. إلى حدود ذلك اليوم من شهر يناير كانت الأمور طبيعية، ولم يجرؤ أحد من منالمجموعة التي يتكون أعضاؤها من أربعة زملاء في قسم واحد على الإدلاء بأية معلومات من شأنها أن تدل على وجود المدونة المشبوهة التي أراد سمير أنيطلق عليها إسم «لبنات لي شوهو الثانوية» ضم بها مجموعة من الصور لتلميذات يتابعن دراستهن بنفس المؤسسة، يظهرن في ملابس الإستحمام في الشاطئ، إضافةإلى صور أخرى وهن يرقصن في حفل نسائي بشكل فردي. بلغ عدد الصور التي يضمهاالموقع 25 صورة ضمت كل صورة منها تعليقات فاضحة، وأسماء حقيقية للفتيات،مما ترك الإنطباع منذ البداية لدى عناصر الأمن أثناء التحقيق أن الشخص أوالأشخاص الذين يقفون وراء هذا العمل، لهم معرفة جيدة بالتلميذات اللواتي يظهرن في الصور، بل الأدهى من ذلك وجود بعض أرقام هواتف بعضهن. غير أن منبين الصور المعروضة والتي أثارت ضجة، يقول أحد المدرسين والتي آربكتالسيرالعادي بالمؤسسة، تلك التي التقطت خلسة في مستودع ملابس الفتياتأثناء حصص التربية البدنية. فطن سمير متزعم شبكة المدونة، والذي كان له تأثير غير عادي على بقيةزملائه ويلقب «بعبقري النيت» إلى المفاجأة الكبرى التي سيشكلها تنزيل هذه الصور، على الشبكة، خاصة أن عددا قليلا فقط من أفراد الشلة يملك حاسوبا فيالمنزل، أما البقية فكان لزاما عليهم الإنتقال إلى النادي قصد تصفح«البلوغ العجيب» ومعرفته المسبقة بطريقة تضمينها للملفات في المدونات المجانية، بعدد من الصور حصل على جزء منها عن طريق إحدى التلميذات التي نسيت ألبوم صورها الشخصية في قاعة المطالعة للمؤسسة. صور بمستودع الملابس استخدام الشبكة والمواقع المجانية بالنسبة لسمير وزملائه من أجل التشهيربتلميذات بالمؤسسة من خلال صور شخصية تعتبر من الحقوق الفردية للشخص، يجد دوافعه في الاستسهال الذي يلف هذه العملية، والاستغلال الخاطئ للخدماتالتي تقدمها التقنيات الحديثة، في ولوج الشبكة أو بواسطة الهواتف المحمولةتتوفر على تقنيات التصوير والارسال السريع،لتصفية حسابات مهما كانت بسيطة،قد ترضي غرور وفضول البعض، لكنها حتما قد ينتج عنها انهيار كبير للقيم وللعلاقات التي تجمع الأفراد، فسمير الذي كان هادئا أثناء التحقيق معه منطرف عناصر الأمن، أكد أن ماقام به كان مجرد مزحة «كنت فقط أجرب هذهالتقنية داخل قاعة الأنترنيت بالثانوية، ولاعلم لي بمن قام بإضافةالتعابير الفاضحة، أو العبث بالصور، وإعادة صياغتها من جديد لتحمل أجساداعارية، أو كتابة إسم الموقع على جدران المؤسسة، وبمراحيضها ومستودعالملابس». كان لهذا الأخير ماض دراسي حافل بالاصطدامات مع هيئة التدريس منجهة وزملائه من جهة ثانية، فقد طرد من مؤسسة أخرى لأسباب تتعلق بالشغبداخل الفصل الدراسي، وقيامه بأفعال مشينة ضد زملائه . وكان يجد صعوية فيالتواصل داخل فصله الدراسي مع التلاميذ وخاصة التلميذات، وفي غالب الأحيان يفضل الابتعاد عن الأنشطة التي تنظم بالمؤسسة. كما أن غياب مراقبة قريبة من طرف والديه اللذين انفصلا وهو في في بداية سنواته الأولى بالمدرسة خلق لديه صعوبة في الاندماج الاجتماعي والتمييز بين الخطأ والصواب في تعاملهمع الإمكانيات التي تتيحها الشبكة العنكبوتية، فإدمانه على قاعةالمعلوميات بالمؤسسة، يجد تفسيره في هوسه بالعالم الجديد الذي توفره ثمالهروب الدائم من حصص محددة، تخلق لديه نوعا من التذمر والمرارة، وتجعله عاجزا عن مسايرة إيقاع السير الدراسي، لكن بالمقابل كان يجد عزاءه في إقباله على الشبكة. شهادة أحد زملائه الذين تورطوا في هذه القضية كانت جدمعبرة، فقد كانت لسمير رغبة غير محدودة في التميز عن الآخرين عن طريق هذهالتقنية التي بدأت تجد طريقها إلى المواد الدراسية لعدد من المستويات،وإلحاق الأذى بهم ودفعت به إلى عدم الإكتفاء بفعل التجريب بعد أن أنشأ«بلوغه» المشبوه، بتداوله عبر تقنية الشات برفقة زملائه، بل وقاموا فيالمرحلة الموالية بارسال مجموعة من الرسائل إلى تلاميذ آخرين بنفس المؤسسة بعد أيام عبرعناوين بريد الإليكترونية، لينتشر خبر المدونة، ويبدأ تداولهافي فترة قياسية. وفي سياق هذاالتحول السريع بادروا إلى كتابة عنوانها علىجدار المؤسسة، تحت عنوان بلوغ بنات ليسيه بوان كوم.. ». التزم أفراد الشلةالصمت، وكانوا يتابعون الآثار، وردود الفعل التي لحقت بالتلميذات، وكذابالأولياء والآباء، وبدا ذلك في مرحلة معينة، أن الرسالة التي كانوايرغبون في ارسالها إلى الآخرين، قد حققت النتائج المتوقعة، خاصة في جانب السخرية، والنقد اللاذع الذي طارد المعنيات داخل فصولهن الدراسية،وبالمؤسسة بشكل عام، إلا أن النشوة المؤقتة سرعان ماانهارت بعد أن وشى أحدزملاء سمير به للإدارة. نهاية..في قسم الشرطةيعتقد سعيد وعدد آخر من التلاميذ الذين يتابعون دراستهم بنفس المؤسسة، أنالسخرية السوداء التي عمد كل من سمير وزملائه إلى صياغتها إليكترونيا قدتجاوز تأثيرها حدود الثانوية في ظرف ساعات قليلة، لتمتد تداعياتها إلى أسرالتلميذات اللواتي عرضت صورهن. ومما زاد من تعميق مأساة ضحاياها أنه بعدأيام على انتشار خبر الموقع قامت صحيفة محلية استطاع صاحبها الفوز بمشاهدمن المدونة، بعرض بعض من تفاصيلها بعد أن أخفى الوجوه، مع الاحتفاظ بالتعليقات..هذا الأمر ضاعف بدوره من حجم القلق والإقبال على الموقع منطرف عدد لايستهان به من المبحرين قبل أن يتم تدميره نهائيا. كما أن شيوعأسلوب استغلال المدونات ومجانيتها، ساهم في التقليص من الحدود الفاصلة بينماهو غير مشروع وماهو قانوني، حيث تنتفي الحدود بين الإطارين، في عالمشاسع تصعب فيه المراقبة القبلية للمعلومات والمعطيات التي يتم ضخها كلثانية بالآلاف. خيم جو من الحزن، وعدم الثقة فيما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة ودفع عددامن الأولياء في المرحلة الأولى إلى الاحتجاج بشكل جماعي أمام إدارةالمؤسسة، التي عجزت عن تطويق «الفضيحة الأخلاقية» خاصة أن مصمم الموقع لميكتف بعرض الصور، بل اجتهد في تعديل شكلها، بأجساد عارية، مع الاحتفاظ بملامح التلميذات حتى المحجبات منهن. كان للضجة الكبرى التي أحدثتهاالمدونة بالمدينة، أثر كبير على نفسية التلميذات اللواتي أجبرن على تغييرالمؤسسة، أو الانقطاع عن الدراسة، وفصل كل من سمير وزمليه فصلا نهائيا عنا لدراسة، بعد أن أبعد عنهما شبح المتابعة القضائية، والاكتفاء بتدميرالموقع نهائيا.









