
بقلم: د. أفنان القاسم/باريس
أدونيس شاعر انحطاط جميل؟ ليس في هذا شيء من قدح، وإنما تقريظ لشاعر في عصر انحط إلى درجة لم يعد فيها للجميل مكان، أو، وهذا أقرب إلى فكرتي، في لحظة الانحطاط العربي القائم حيث تطغى الدمامة، ويلطم القبح الوجوه بل الكيان، ومن يقول الكيان يقصد أول ما يقصد الذات الكائنة في أعماقه والقصائد التي هي صور وعي الذات، نجد رغم كل شيء بعض شعر جميل، شعر أدونيس واحد منه، والجمال بالطبع هنا نسبي، بإمكانه أن يكون في أدنى مستواه بالمقارنة مع القصيدة الجميلة في عصر ازدهر، وازدهر الشعر فيه. وإصرارا منا على مبدأ النسبية في حالتنا الانحطاطية وحالة غيرنا أيا كان غيرنا كما هو فينا يمكن القول إذن إن الانحطاط جميل في بعض نواحيه، وكل ما انحط ليس دميما. وهنا تكمن الخطورة في مقولة كهذه إذا ما استغلت من طرف الذين هم من وراء هذا الانحطاط، الغرب ومن لف لفه من أسياد شرق دميم، الغرب السياسي والشرق السياسي على التحديد لئلا نقع في مطب التعميم واستعداء شعوب كل على طريقتها مستعبدة من طرف سلطة أشكال قمعها مثل طرائق قمعها متعددة، والأخطر من هذا إذا ما ضرب الشاعر على الوتر نفسه، ضاربا بالقصيدة عرض الحائط، وهمه الوحيد إعلاء شأو نفسه، أن يكون أجمل شعراء الانحطاط لا صاحب أجمل قصيدة قيلت في عصر الانحطاط. وهذه، مع الأسف، حال أدونيس عند لهاثه على أعتاب جائزة تأتي من الغرب، وكأن على الغرب أن يقرر إذا ما كان أدونيس الشاعر الذي هو بيننا، وما يتبع ذلك من رضوخ كلي لنظام ليس من السهولة الدخول فيه، وأستطيع الجزم، كعارف قضى في الغرب حوالي الأربعة قرون، أن من المستحيل، سابع مستحيل، دخول "طالب القرب منه" فيه إلا إذا سلم بشروطه، واستسلم لها كلية، كمنهزم من عندنا، لحد الرضوخ الكامل. ونجدنا نشك حتى في رضوخ أدونيس الكامل للغرب، الذي لن يحظى منه على هذا "الشرف"، في زمن يريدون فيه رضوخ العراق والعالم العربي أولا وأخيرا، ورضوخ الإنسان العربي، ومحو كل أثر حضاري له، محوه هو وشعره وأدبه وتراثه وتاريخه وكليته، فمن هو أدونيس أمام هدف مدمر كهذا؟ وما هي قيمة قصائده، إن بقيت لقصائده قيمة، في صميم مخطط من جهنم؟
ومع ذلك، يصر الرجل على سلب الشاعر الذي كانه من شاعريته، ويمضي على درب أقصى ما يصل فيه إلى استلاب الشخصية.
كيف نفسر هذا عند أدونيس؟
يردد أدونيس كما يردد بعض الكتاب العرب منذ رفاعة الطهطاوي إلى يومنا هذا مقولة بائدة لكثرة ما اجترت دون أن تفهم فهما صائبا، مقولة "فهم الآخر"، فعن أي آخر يتكلم؟ يجيبك عن الإنسان في الغرب، أو الإنسان في إسرائيل، أو الإنسان في هونولولو، ولكن خاصة في الغرب وإسرائيل، فالإنسان في الغرب وإسرائيل يلخص كل الإنسانية كما توجب نوبل، بعد أن يفتعل لهجة مفخمة، وكأنه لا يخاطب إلا أعضاء لجنة التحكيم السويدية، ليبدي لهم موقفه "الكوني"، ويستدر عطفهم عليه، فهو شاعر لا يتململ في أمر يتعلق بمصائر البشر (دوما في الخط ذاته الإسرائيلي والغربي)، فوق الملل، ويتجاهل عن عمد أن فهم الآخر أو عدمه في عصرنا لا يجري إلا بقرار يحاك في دهاليز البيت الأبيض، لأن فهم الآخر أمر سياسي لا إنساني جزء لا يتجزأ من عولمة متوحشة تقودها أمريكا همها الوحيد الربح والهيمنة، وآخر ما يهمها فهم الآخر. على الصعيد الإنساني، يمكن للمرء أن يبني علاقات سليمة، متينة، مع كل شعوب الأرض، مهما كانت الظروف، أيا كانت الشروط، اجتماعية، دينية، طبقية، أو غيره، وفي ردح من الزمن قصير، لا يحتاج إلى عشرات السنين دون أن نصل إلى ذلك كما هو حالنا اليوم مع الاستعمار الإسرائيلي في فلسطين، وأمس مع الاستعمار الفرنسي في الجزائر. أما على الصعيد السياسي، حيث كل شيء يتم حسب قانون الصراع من أجل البقاء والبقاء للأقوى، فهم الآخر لا بد أن يمضي من هنا، والغرب، الأقوى في الزمن الراهن، لن يدعك تمضي لا من هنا ولا من هناك، فيجعل من الآخر عقبة كأداء في الفهم والتفاهم، ولا يتورع عن استعمال كل ما في وسعه من وسائل اقتصادية، عسكرية، وتكنولوجية بربرية من أجل تركيع شعوب بأكملها طالما بقيت له في ذلك مصالح، ولا يبدو في الوقت الراهن أن مصالحه قد قاربت على الانتهاء.
الحرب اللبنانية الإسرائيلية في الصيف الماضي وصمود المقاومة وانتصاراتها على الآخر السياسي، العسكري، البربري، الكولونيا لي-الجديد-القديم، غيرت من فهمنا لهذا المفهوم، فهم الآخر، ومفاهيم أخرى كثيرة إن لم يكن لكل المفاهيم إلا لدى أدونيس ومن هم على شاكلته من طالبي القرب من سلطة نوبل وكل سلطة من غير نوبل. هذا الآخر الذي همه الوحيد تدميرنا يمكن مواجهته باللغة التي يفهمها: الحرب، ويمكن الانتصار عليه، للوصول إلى الآخر الإنساني، والتحدث إليه، فتح حوار مفتوح معه، عن كل شيء يخص هذه القرية الكبرى التي هي عالمنا اليوم. لكن لأدونيس كل الحروب ليست عادلة (كذا!)، وانه مع فهم الآخر (كذا)، الآخر، الآخر، وما أدراك ما فهم الآخر (ألف كذا)، فاسمعيني يا لجنة التحكيم، واسمعني يا غرب، أرى كيف تدمر إسرائيل بأحدث الأسلحة الأمريكية الفتاكة لبنان، فأساوي بين حربها الإجرامية وحرب حزب الله وباقي فصائل المقاومة، بين المحتل ومحارب الاحتلال، بين المعتدي والمعتدى عليه، بين القاتل والضحية، بين مجازر البشر الجماعية ومجازر الميركافا البطولية. حرب الدفاع عن النفس وعن الأرض، الحرب العادلة، يساويها أدونيس بحرب الجنرالات الإسرائيليين السفاحين الشيزوفرينيين. يتردد، ينتبه إلى أنه يتوجه إلى جمهور من المشاهدين العرب لا الغرب، فيتهم نفسه بالسذاجة، لأن موقفا كهذا في ظرف كذاك لهو بالفعل محير، ليس من السهل تبريره، وعلى الخصوص بعد أن قدمنا كل شيء، كل شيء على الإطلاق، في سبيل ما يدعى بفهم الآخر، ولم نجد في المقابل إلا الصد من الطغمة الحاكمة التي لديها برنامج عريض لتركيعك وتدميرك من اللازم تنفيذه، وتبا للآخر وكل آخر حتى ولو كان كل شعراء العالم وليس فقط أدونيس الذي لا يعطي أي بديل، فيعود إلى ترداد الآخر وما أدراك ما الآخر، وكان من الأجدر به ترداد الذات، نعم، فهم الذات، هذا ما كان يجدر بأدونيس ترداده.
لا، أدونيس ليس ساذجا، لقد أراد الجائزة، وهو يعمل بكل حذق لنيلها: لقد ترجم كل كتبه، وليس هذا فقط بل والدراسات التي كتبت عنه، والتعليقات التي دارت حول هذه الدراسات، والتعليقات على التعليقات، والتعليقات حول التعليقات على التعليقات، لقد جند جيشا عرمرما للترويج له، له وله وحده، فهو لا يرى أحدا غيره شاعرا لا قبله ولا بعده، في الجرائد والمجلات، على أنترنيت، وغذى الشائعات، ولقد ذهب إلى حد ترجمة أعضاء لجنة التحكيم السويدية إلى العربية عملا بالقول المأثور مثلما تداين تدان.
ربما قال قائل ما يفعله أدونيس من أجل نيل الجائزة شيء طبيعي بالنظر إلى مكانة الرجل الشعرية، فلننظر إليه من هذه الناحية.
جاءت قصيدة أدونيس في مرحلة مخاض عسيرة للقصيدة العربية الحديثة، قصيدة الشعر الحر، وقد تميزت باستعارات غامضة عن علاقات البشر والأشياء ومقلدة للمقدس الشعري كما هو عليه لدى سان-جون بيرس، والذي كانت الطبيعة خير معبر عنه. ربما كان في الأمر شيء جديد فيما يخصنا، أما فيما يخص الغرب، وبالأحرى فيما يخص تطور القصيدة العالمية، فالأمر لا يعدو أكثر من نسخ على نسخ. قصيدة نيويورك مثلا حيث انتصار الفعل الشعري على الموت ما هي سوى تكرار لما قاله المثل الأعلى القصيدي لأدونيس سان-جون بيرس قبله بعقود، قصائده الفلسفية المملة ولكنها قبل ذلك تكرار لأفكار أكل الدهر عليها وشرب في الغرب الليبرالي، نعم، يجب القول "ليبرالي"، وليبرالي مفرط الليبرالية كما هي حاله في الوقت الراهن، أشكاله المترجمة التي فقدت كل موسيقية لغتنا وكل شحناتها الداخلية وإيحاءاتها الخارجية، لهي من السذاجة (وهنا السذاجة في محلها) لدرجة يصعب ابتلاع كل ما يقوله هذا السان-جون بيرس العربي! لقد أوشك للتطابق بينهما أن يكون كاملا حتى في مساريهما الحياتيين، فكلاهما قد غادر بلده غداة الحرب، سان-جون بيرس غداة الحرب العالمية الثانية إلى نيويورك، وأدونيس غداة الحرب الأهلية في لبنان إلى باريس، دون أن يعود لا الواحد ولا الآخر على الرغم من كل ذلك الادعاء النوستالجي حتى بعد أن نال سان-جون بيرس جائزة نوبل، كدت أقول حتى بعد أن نال أدونيس الجائزة، فهما صنوان، وهي تعطى مرة واحدة، إذن لماذا يطالب بها؟ أيطالب بها من جعل من نفسه اله اليونان؟ أتكون هناك جوائز لآلهة من غير تلك التي تشك في نفسها أو تلك التي تبالغ في عظمتها، فتأتي الجائزة لترميم صدع في ذاتيتها؟ ثم الجائزة الحق تذهب لمن صنع طفرة في الشعر على صعيد الكون، وطبعه في صيرورته كما فعل بودلير ورامبو والسياب، أما وقد مات الشعر، وصارت الرواية قصيدة عصرنا، فلن يكون لأدونيس وغير أدونيس هذا "الشرف" الآتي من ستوكهولم وغير ستوكهولم، وهو إن كان، فسياسي مغطى برداء " عدم فهم الآخر".









